Chapter 1 · Sample

ملاحظة المؤلف: لماذا كتبت هذا

Chapter illustration

ملاحظة المؤلف: لماذا كتبت هذا

دنهاخ – هولندا، 2024

الغرفة الهادئة

أكتب هذا من غرفة هادئة في مدينة دنهاخ الهولندية. النافذة مفتوحة قليلاً، والهواء بارد بطريقة لا تشبه أي برودة عرفتها في طفولتي. في الخارج تمر الدراجات والسيارات، ويعبر ترام بعيد على فترات متقطعة، بينما تتحرك مياه القناة ببطء بلا ذاكرة.

أسمي هذه الغرفة قطعة جنتي الخاصة. ليس لأنها فاخرة، فهي ليست كذلك، بل لأنها صامتة. لا أحد يطرق بابها في الثالثة فجراً، وهاتفي حين يرن، يرن لسبب عادي يمكن احتماله.

مرت أكثر من خمس سنوات على حصولي على الجنسية الهولندية، وثلاث عشرة سنة على اليوم الذي خرجت فيه من سوريا دون أن أخبر أحداً من عائلتي. لم أودّع أمي، ولم أقل لأبي إنني ذاهب. حملت حقيبة صغيرة وأوراقاً مزوّرة بإتقان صنعتها بيدي، ومشيت نحو الحدود.

على الطريق كانت عشرات نقاط التفتيش. مررت بها كمن يذهب إلى عمله كل يوم، كما فعلت طوال عامين منذ بداية الثورة السورية. لكن في داخلي كنت أعرف شيئاً واحداً: إن نجوت اليوم، فقد لا أرى بيت عائلتي مرة أخرى. وإن لم أنجُ، فقد يكون الموت أهون الاحتمالات.


ظننت في بدايات المنفى أن الزمن سيخفف الذاكرة. أن سنة تمر، ثم سنتان، ثم عشر، وأن ثقل ما حملته سيتراجع. لكن ذلك لم يحدث. الذاكرة لم تخف، ولم تصبح أخف.

ما زلت أستيقظ أحياناً على كوابيس لا أعرف متى بدأت. وما زلت، عندما أمر قرب شرطي في محطة قطار، أتوقف لثانية قبل أن أتذكر أنني لست مطلوباً هنا، وأن اسمي ليس على أي قائمة، وأنني أعيش في مكان يعترف بوجودي كإنسان.


السؤال الذي لا يتركني

كتبت هذا الكتاب لسبب واحد، بسيط ومربك في آن واحد.

سؤال ظل يلاحقني منذ الليلة التاسعة في البحر، بعد أن أنقذتنا ناقلة نفط وأنزلتنا على ظهرها، وعرفت أنني سأبقى على قيد الحياة:

لماذا أنا؟

لماذا نجوت أنا، بينما مئات، بل آلاف، ممن سلكوا الطريق نفسه، واليأس نفسه، والقوارب نفسها، لم يصلوا؟

لماذا أنا أكتب من غرفة هادئة في دنهاخ، بينما آخرون بلا قبر، أو أسماؤهم على لوحة في مكان مجهول، أو ابتلعهم البحر دون أثر؟

لا أملك جواباً.

ثلاث عشرة سنة وأنا أبحث عنه ولا أجده. أقول أحياناً: الحظ. أحياناً: التوقيت. أحياناً: صدفة عابرة في نقطة تفتيش لم يُدقق فيها أحد.

لكن هذه ليست إجابات، بل محاولات للعقل كي يهدأ.

الحقيقة أبسط وأقسى: آلاف الناس خاضوا التجربة نفسها، وبذلوا الجهد نفسه، ولم ينجوا. والفرق بيننا لم يكن قوة أو ذكاء أو إيماناً. كان مجرد صدفة.

ومن يحمل الصدفة، لا يملك إلا أن يرويها.


ما هذا الكتاب، وما ليس به

أريد أن أكون واضحاً منذ البداية: هذا ليس بياناً سياسياً.

لن تجد هنا تحليلاً للحرب السورية، ولا نقاشاً حول الأنظمة السياسية، ولا شرحاً لقوانين اللجوء الأوروبية. كل ذلك موجود كخلفية فقط، لأنه كان خلفية حياتي، لا موضوعها.

موضوع هذا الكتاب أبسط وأقسى في الوقت نفسه:

ماذا يفعل إنسان واحد عندما تُغلق في وجهه كل الطرق الشرعية؟


كنت موظفاً حكومياً في سوريا حين كانت أي معارضة تعني الخطر. مررت يومياً بحواجز أمنية، أعرف أن قراراً عابراً من جندي قد يعني ألا أعود إلى البيت.

عملت في مجال المعلوماتية، واستخدمت ما أعرفه لتزوير أوراق ساعدتني على الخروج. وُضع اسمي على قوائم المطلوبين بسبب مواد كنت أؤمن أنها يجب أن تُرى. عملت مع مجموعات صغيرة بشكل سري، أتنقل كأنني غير موجود، أساعد بما أستطيع، بلا وقت للراحة، وبشعور دائم أن كل خطوة قد تكون الأخيرة.


ثم عشت في مصر ثلاثة أشهر بإقامة قانونية، ثم سنة ونصف بدونها، أتنقل بين العمل والخوف. ثم دفعت ما ادخرته لمهربين من أجل مكان على قارب خشبي.

تسعة أيام في البحر.

ثم ناقلة نفط.

ثم خفر سواحل إيطالي.

ثم قطار عبر سويسرا إلى فرنسا.

ثم محطة قطار في أمستردام.

في كل خطوة، كان الحظ يسبقني بخطوة.

لم أُفتش، ولم يُوقفني أحد، وكأنني أمر عبر فجوات صغيرة في العالم.

وفي أمستردام، حين وصلت إلى محطة القطار، بحثت عن شرطي فلم أجد. اقتربت من أول شخص يرتدي سترة عاكسة، ظننت أنه عنصر أمن، لكنه كان عاملاً في المحطة.

قلت له بإنجليزية مرهقة: “أنا سوري وأطلب اللجوء.”

دلّني بهدوء إلى مركز شرطة قريب، وتمنى لي يوماً جيداً.

وصلت، وكررت الجملة نفسها:

“أنا متعب. أنا سوري وأطلب اللجوء.”

اقترب رجال الشرطة، أعطوني ماءً، طلبوا مني الجلوس، ثم وفّروا لي وسيلة نقل إلى فندق. وفي صباح اليوم التالي جاء فريق آخر يحمل فطوراً بسيطاً، وبدأت أول خطوات الاعتراف بوجودي كإنسان محمي بالقانون.


بدون اعتذار

بعض ما ستقرأه هنا لم يكن قانونياً: تزوير أوراق، عبور حدود بطرق غير نظامية، وركوب قارب كان من باعه يعلم أنه قد لا يصل إلى اليابسة.

لن أعتذر عن ذلك.

ليس لأنني أبرره، بل لأن الاعتذار يفترض وجود خيار نظيف كان متاحاً. وهذا لم يكن موجوداً.

الأنظمة القاسية لا تترك خيارات نظيفة. إما أن تموت ضمن حدودها، أو أن تخرج منها مكسوراً.

ومن ينجو من مثل هذه الأنظمة، ينجو وهو يترك شيئاً خلفه: قانوناً، وعداً، علاقة، أو نسخة قديمة من نفسه.

ومن يطلب من الناجي أن يعتذر عن نجاته، لم يفهم بعد ما الذي كان يهرب منه.


إلى من أكتب

أكتب لمن قرأ عن سوريا ولم يفهم لماذا يغادر الناس أوطانهم.

أكتب لأبنائي، إن قرروا يوماً أن يعرفوا من أين جاء أبوهم. لأن الرجل الذي يعيش اليوم في غرفة هادئة، والرجل الذي ركب قارباً في بحر مظلم، هما الشخص نفسه.

لكن قبل هؤلاء، أكتب لشخص واحد:

لمن يقف الآن عند الحافة، حرفياً أو مجازياً. لمن يشعر أن الماء وصل إلى فمه، وأن الاستمرار أصبح سؤالاً أكثر من كونه خياراً.

لمن في قارب، أو خيمة، أو مركز احتجاز، يقرأ أوراقاً لا يفهمها، ويُقال له إن الانتظار قد يمتد لسنوات.

إلى هؤلاء أقول: أعرف أن هذه اللحظة تبدو بلا نهاية. لم أصدق أنا أيضاً أنها ستنتهي.

لكنها انتهت.

ليست هناك وعود بالنجاة، ولا أحد يملكها. لكنها ممكنة. وأحياناً، هذا وحده يكفي لتكملة ليلة أخرى.


قبل أن نبدأ

كل ما سيأتي هنا حدث فعلاً.

لم أضف بطولات، ولم أخترع شخصيات، ولم أجمّل ما كان قاسياً.

ما لا أتذكره بدقة، سأقوله كما هو. وما أتذكره، سأرويه كما حدث، بما فيه من خوف، وإرهاق، وأحياناً لحظات لا تخلو من ضحك، لأن الإنسان يضحك حتى وهو قريب من الغرق.


سنبدأ من اللحظة التي أدركت فيها أن البقاء لم يعد خياراً.

1 / 1
Chapter 1 of 1
4 min